أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

238

شرح مقامات الحريري

وقال أيضا : [ الطويل ] ترى للنّدى فيه مجالا كأنّما * نثرن عليه لؤلؤا فتبدّدا قوله : حديقة ، أي بستان . زخرفها ، أي زينتها . تنوّعت أزاهيرها : اختلفت أنواع أزهارها . وهذه الحديقة التي ذكر من حسنها ، مثل البستان الذي دخله عروة بن الزبير مع عبد الملك بن مروان - وكان عروة معرضا عن الدنيا - فحين رأى في البستان الوصف الذي ذكر الحريري قال : ما أحسن هذا البستان ! فقال له عبد الملك : أنت واللّه أحسن منه ، لأنه يؤتى أكله كلّ عام وأنت تؤتي أكلك كلّ يوم ، وكان عبد الملك يجب عروة ويعظّمه ، على ما بين الزبيريّة والمروانية من التباغض . وقال لابن شهاب حين وفد عليه : عند من طلبت ؟ قال : عند سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وقبيصة بن ذؤيب ، فقال عبد الملك : فأين أنت من عروة بن الزبير ! فإنه بحر لا تكدّره الدلاء . قال ابن شهاب : فلم أبارح عروة بعد حتى مات . قال ابن وكيع في وصف ما ذكره الحريري : [ الطويل ] ألست ترى وشي الربيع تنمنما * وما صنع الرّبعيّ فيه ونظّما وقد حكت الأرض السماء بنورها * فلم أر في التشبيه أيّهما سما فخضرتها كالجوّ في حسن لونه * وأنوارها تحكي لعينيك أنجما فمن نرجس لما رأى حسن نفسه * تداخله عجب به فتبسّما وأبدي على الورد الجنّي تطاولا * وأظهر غيظ الورد في خده دما وزهر شقيق نازع الورد فضله * فزاد عليه الورد فضلا وقدّما فظل لفرط الحزن يلطم خدّه * فأظهر فيه اللّطم جمرا مضرّما ومن سوسن لما رأى الصّبغ دونه * على كل أنواع الرياض تقسّما تجلبب من زرق اليواقيت حلّة * فأغرب في الملبوس فيها وأحكما وأنوار منثور يخالف شكلها * فصار بها شكل الربيع منمنما جواهر لو قد طال فيها حياتها * رأيت بها كلّ الملوك مختما وقالوا أبو بكر البلويّ : [ البسيط ] وروضة بات ظلّ الغيث ينسجها * حتّى إذا التحمت أضحى يدبّجها يبكي عليها بكاء الصبّ فارقه * إلف فيضحكها طورا ويبهجها إذا تنفّس فيها ريح سوسنها * وفاح مثل خزاماها بنفسجها أقول فيها لساقينا وفي يده * كأس كشعلة نار إذ يوهّجها